زكريا القزويني

112

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

وقال في تحفة الغرائب : بهذه الجزيرة عين فوارة يفور الماء منها وبقربها ثقبة ينزل فيها ، فما بقي من الرشاشات على أطرافها ينعقد حجرا صلدا ، فلما كان من الرشاشات في النهار يصير حجرا أبيض ، وما كان في الليل يصير حجرا أسود . ( ومنها ) جزيرة القصر ، وهي جزيرة فيها قصر أبيض يتراءى للمراكب ، فإذا شاهدوا ذلك تباشروا بالسلامة والربح والفائدة . ذكروا أنه قصر مرتفع شاهق لا يدرى ما في داخله ، وكان بعض الملوك سار إليها فدخل القصر بأتباعه فغلبهم النوم وخدرت أجسامهم ؛ فلم يقدروا على الحركة ، فبادر بعضهم إلى المراكب ، وهلك الباقون . ( ومنها ) أن أصحاب ذي القرنين « 1 » رأوا في بعض الجزائر أمة ، رؤوسهم رؤوس الكلاب ،

--> ( 1 ) لقد ورد ذكر ذي القرنين في القرآن الكريم في سورة الكهف فقال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [ الكهف : 83 - 91 ] قال ابن إسحاق : وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتي ما لم يؤت غيره فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها ، لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق ، قال ابن إسحاق : إن ذا القرنين كان من أهل مصر اسمه مرزبان بن مردبة اليوناني ، من ولد يونان بن يافث بن نوح . وقال ابن إسحاق أيضا : حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي - وكان خالد رجلا قد أدرك الناس - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن ذي القرنين ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب » . وعن علي بن أبي طالب أن ذا القرنين كان عبدا صالحا نصح اللّه فأيده ، وقيل في سبب تسميته بهذا الاسم : إنه كان ذا ضفرتين من شعر ، فسمي بهما ، ذكره الثعلبي وغيره ، والضفائر قرون الرأس ، ومنه قول الشاعر : لثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وقيل : إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس ، فقص ذلك ، ففسر أنه سيغلب ما ذرت عليه الشمس ؛ فسمي بذلك ذا القرنين . وقيل : إنما سمي بذلك ؛ لأنه بلغ المغرب والمشرق فكأنه حاز قرني الدنيا .